يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
198
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
خليفة ، ثم قال : هذا قبره عليه ينبوتة ، وفسر الينبوتة بما تقدّم ذكره . وذكر صاحب كتاب التاج الينبوت في جملة العضاه قال : هو كل شجر يعظم وله شوك كالعرق والطلح والسلم والسدر والسيال والسمر والقتاد والينبوت والغرب والكنهبل والعوسج وقس على هذا جميع هذا الفنّ تجده ، ألا ترى أنّ الطير لا تتحرّك للسفاد طول العام إلا وقت أن تصلح الثمار لإخراج الورق ، وفي وقت أن يخلق اللّه أرزاق فراخها من الجراد وغيره ، فتصنع أعشاشها في الأشجار وفيها الورق فتستخفي فيها ، ولو صنعت عشها في الشجرة وهي دون ورق لأخذ بيضها قبل أن تفرخ ، وكذا غيره وغيره ، وزد غيره فكل فيه تذكره وعبره ، فقس عليه فقد دلت تلك التبنة على ما تقدّم ، وأنه تعالى مدبر لجميع الكائنات إذ لا يوجد الفعل على صورة وشكل بدلا من غيره ، ولا في زمان دون زمان إلا بإرادة تقدّم بعضا وتؤخّر بعضا ، وأنه تعالى عزّ وجل سميع بصير متكلم ، وسر على هذا المسرى حتى تستكمل جميع صفات الخالق مما يجب إثباتها له ، وهي في حقه حقيقة ثابتة ، ثم بإثباتها تضطر إلى نفي أضدادها مما لا يليق بجلاله إذ ما كان عندنا من تلك الصفات المحمودة من العلم والقدر والإرادة وغير ذلك إنما هو مجار وعارية عندنا مستودعة يوجدها فينا ويبقيها متى شاء ويصرفها عنا ويبدلها أو يأخذها مع جميع ما خوّلنا متى أراد ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [ الأنبياء : 23 ] ، و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] ، خلق ذلك فينا لنستدل به عليه ، ونردّ الحول والقوّة إليه ، دلّ على ذلك العقل والنقل ، وهذا علم برأسه ضبطه العلماء وقيّدوه حتى لا يجد صاحب هوى ولا مبتدع ولا معطل مدخلا في الدين والحمد للّه رب العالمين . ثم نرجع إلى التبنة فنجدها إن طلبت علمها على حقيقته قام معك الوجود كله من العرش إلى الفرش ، والصناع أجمعون من أهل السماء والأرض ، كما قال بعض العلماء : لا يستدير الرغيف حتى يعمل فيه أكثر من ألف صانع ، فإذا أكلته فإن عصيت بالقوّة التي حصلت لك منه فقد كفرت شكر أولئك الصناع كلهم ، فضلا عن مولاك الذي سخر لك ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه ، أوّلهم ميكائيل الذي يكيل الماء من الخزائن فيفرغه في السحاب فتحمله الريح ثم كذا وكذا من الشمس والقمر والهواء والملائكة الذين يرسلون مع القطر ، مع كل قطرة ملك حتى من الأرض والتراب والبهائم والأرحى والآلات ، وتلك الآلات صنعت بآلات أكثر منها ، كما يذكر أن الإبرة لا تكمل حتى ترجع إلى يد الصانع خمسة وعشرين مرّة ، كل مرّة بآلة خلاف الآلة الأولى ، ثم كذلك فكذلك ويتسلسل الأمر حتى لا يبقى في الوجود ولا في العالم